Aug ١٦, ٢٠٢٠ ١٨:١١ Asia/Bahrain
  • ذَي الْقَرْنَيْنِ وواقع فراعنة وملوك العصر بقلم مصدق مصدق بور *

القرآن الحكيم  كتاب هداية وإرشاد للعباد وليس كتابا لذكر عجائب الدنيا ولا ان الاحداث التاريخية معنية في قصص القرآن

القرآن الكريم ليس كتاب تاريخ وان جميع القصص القرآنية ليس المقصود منها شرح الحوادث والوقائع واطارها الزمني والمكاني وذكر ابطال القصة خلافا لكتب التاريخ التي تتميز بتحديد مكان وزمان الواقعة وتفاصيلها ونهايتها ..

إن القرآن الكريم كتاب هداية وإصلاح وإرشاد وبيان، وهذه الحقيقة مؤكدة بنصوص شرعية، تنطلق من قوله سبحانه وتعالى:{ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ ...}

اجل  ان القرآن الحكيم  ليس كتابا لذكر عجائب الدنيا ولا ان الاحداث التاريخية معنية في قصص القرآن حيث نقرأ في سورة الكهف الاية الشريفة التالية : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا.. }

تتضارب آراء كبار مفسري القرآن حول  من هو "ذي القرنين " في هذه الآية واين ومتى ولد وهل هو اسكندر المقدوني أو غير هذا ؟ المهم حسب ما نفهمه  ونستنبطه  في سياق الآية فهو صفات "ذي القرنين" لان هذا الكتاب السماوي هو كتاب هداية وارشاد وليس كتاب لسرد الوقائع التاريخية .

{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا.. }

قال اكثر من مفسر ان الاقوياء في الارض ليسوا اقوياء بذواتهم انما هم أقوياء بتمكين الله سبحانه وتعالى لهم {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ}

من هذا نتوصل الى هذا الاستنتاج : ان اي قوة مادية او معنوية يكتسبها المخلوق هي من فضل الخالق . والله تبارك وتعالى يقول في محكم آياته البينات : {  وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}

ثمة شخصيات استطاعت بفضل الله ان تبسط سلطتها على اجزاء واسعة وشاسعة من الارض ولكن ماذا حل بها فيما بعد . يريد الله تعالى هنا ان يرينا من هو الملك الصالح وماهي صفاته واسباب استمرار ملكه کذی القرنين الذي نفهم من الآية انه كان رجلا وملكا صالحا واعتبره البعض بانه كان نبيا من وحي هذه الآية الشريفة: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ }

من قواعد الخلق اتخاذ الاسباب {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا واتبع سببا } فانت عندما تريد ان تجلي العسل لابد من ان تربي النحل ..

لقد وصل " ذي القرنين " بقوته وحكمته الى مشارق الارض وسطع  ذكره في القرآن الكريم لا لانه تواكل على القوى الشيطانية وخنع لها بل لانه توكل على الله توكلا  وليس تواكلا كملوك وطواغيت وفراعنة عصرنا الذين أتى بهم الشيطان الاكبر وسلطهم على رقاب الشعوب ليعيثوا في الارض فسادا ؛ فذي القرنين  مكن الله له في الارض وآتاه من فضله تعالى من كل شيء سببا واتبع يعني اتبع ما يتسبب إليه وهو العلم به وهذا التمكين الالهي لم يتحقق قبل الابتلاء الالهي .

والخرافة ان تطلب التمكين قبل الابتلاء ؛ فمثلما لاينجح الطالب الذي يطلب من الله النجاح في الامتحان من دون التحضير  والاستعداد له اي الاخذ بسبب التمكين فان الملك الذي يريد النصر الالهي هو ايضا لن يحقق مبتغاه من دون الاخذ بالاسباب اي الحكم بموازين القسط والعدل وتحصين قلاعه بما يرضى به الله تعالى .

هذه الآية الشريفة تذكار لملوك وقادة عصرنا ليعرفوا ان سر البقاء وسر الخلود هو فضل من الله يؤتيه لمن يتخذ الاسباب ويتبعها وان من الحماقة والغباء ابتغاء الاهداف من دون اتخاذ واتباع اسبابها او من خلال الدخول الى القلوب من ظهورها فللقلوب ابواب .

كم من ملوك وقادة بلغوا بسلطتهم مشارق الارض ومغاربها لكنهم انكسروا بسبب جبروتهم وغطرستهم واتباع اهواء انفسهم والحكم بغير حكم الله وهذا ما حدث للقوى العظمى في تاريخنا المنظور وما للقطبين الشرقي والغربي اللذين افل احدهما والثاني في طريقه للانهيار .

{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا}

نفهم من هذه الآية ان ذي القرنين وصل الى اقصى نقطة من البر في غرب الارض وكانت منطقة حارة ومنح "ذي القرنين " الثقة الالهية " عندما استجاب للسبب او الشرط الثاني {وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} وهذا ما يؤكد انه كان ملكا صالحا بسبب توافر جملة من الصفات الطيبة فيه كالورع والاستقامة والكمال واهتمامه بالعدالة وايضا نفهم من هذا الجزء من الأية: {قلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ} ان ذي الْقَرْنَيْنِ كان ايضا نبيا من وحي هذا الخطاب المباشر كما كان الحال بالنسبة لسليمان عليه السلام الذي كان نبيا وملكا في وقت واحد .

يريد الله تعالى ان يقول لنا نحن سكان هذا العصر والعصور القادمة ان الملك او الرئيس او القائد الصالح هو من يعطي لكل ذي حق حقه ويحكم بالعدل ولايظلم احدا ولايستطيل على الرعية بقوته وبطشه ومثلما ان الله اكرم ومكن ذي القرنين في الارض لانه وقف الى جانب الحق والعدل فانه سبحانه وتعالى لن يكرم ولن يمكن الحكام الذين يقفون الى جانب الباطل ويغدرون بشعوبهم  وسوف يذيقهم من عذابه أجلا ام عاجلا .

قارنوا بين ما قاله {ذَي الْقَرْنَيْنِ} بنص الآية الشريفة وبين ما يقوله اليوم طاغوت العصر ترامب لنعرف سر مكنة الاول في الارض وسر انهيار الثاني .

{قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا}

اما ترامب وبعض ملوكنا وحكامنا فيقولون سنكافئ مَنْ ظَلَمَ وسنعاقب مَنْ آمَنَ.

بعد ان اقام {ذي الْقَرْنَيْنِ} العدل في بلاد الغرب ودانت له تلك الارض وخضعت عاد الى بلاد المشرق الى ارض منبسطة ليس فيها تضاريس وجبال يشاهد فيها سكنتها طلوع الشمس وغروبها  { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا * كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا}

{حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا}

وصل {ذي الْقَرْنَيْنِ} الى مكان بين جبلين وجد هناك قوما متخلفين بعيدين عن اية حضارة وقيم واخبروه  ان يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ  وهو اسم لقوم او قومين على اختلاف تأويلات المفسرين مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ واشتكوا له من ظلمهم بانهم يغيرون عليهم ويغزونهم ويقتلون ابنائهم ويصادرون محاصيلهم وطلبوا منه ان يقيم بينهم وبين اولئك الظالمين والاشرار سدا حاجزا وعرضوا عليه منحه ثروة كبيرة لوقف الغزوات فقال لهم : ساقيم العدل لكن ترفع عن الثروة واموال الناس مقابل انقاذهم وقال ان ربي مكنني من المال والسلطان بحيث يغنيني عن مالكم وثروتكم {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * } لكن – والكلام لذي القرنين- ساعدوني بسواعدكم وامكانياتكم لاحقق مبتغاكم وانقذكم من هذا الخصم المفسد {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا *}على ما يبدو ان ذي القرنين بنى لهم سدا مستحكما وحكيما وفي غاية القوة والمناعة من مواد انشائية متماسكة ومسلحة بالحديد الذي اذيب عليه النحاس .

ونظرا لارتفاع السد وشدته ومتانته لم يتمكن المفسدون من صعوده او يستظهروا عليه او يخترقوه . {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * }.

بعد ان اكمل بناء هذا السد المرتفع والاملس والمتين {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا  جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} وهكذا نقرأ صفات اخرى لدى هذا الملك العادل وهي التواضع والتوحيد واعتبر ان هذا السد مقابل القدرة الالهية امرا تافها فَإِذَا  جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ}.

على عكس فراعنة عصرنا الذين لايرون حجمهم وقوتهم الحقيقية والواقعية متناسين القدرة الالهية ، يرى {ذي الْقَرْنَيْنِ}  انه لايمكن الاستقواء على العدو الا اذا اخذنا بالاسباب واعدنا العدة لذلك وهذه رسالة قرآنية للشعوب ولايمكن الرقي في سوح العلم الا اذا اخذنا بالاسباب وطرق الرقي وفتحنا مغاليقها .

ان كل هذه القوة والمنعة اللتين بلغهما {ذي الْقَرْنَيْنِ}  وحكمه لارض تشرق الشمس فيها وتغرب لم تمنعه من ان يبقى مؤمنا يحكم بالعدل والقسط ويعين المظلوم ويقهر الظالم ولاحظتم ماذا حل بالامبرطورية التي لاتغيب عنها الشمس والتي حكمت فيها بريطانيا العجوز العالم ردحا من السبب .

اما امريكا فهي اليوم رغم كل ما تمتلكه من اراضي ومناطق نفوذ واموال لاتترفع عن اموال الشعوب وتغزو البلدان بجيوشها وبمرتزقتها وتنهب نفطها وثرواتها وتستحلب حكامها الخانعين والكفرة.

لقد عرف {ذي الْقَرْنَيْنِ} حجمه امام قدرة الله تعالى ولم يخرج عن طوره ليظلم ويسئ الى احد بل ازداد خنوعا وخضوعا وتواضعا لله عندما قال {هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي}.

*باحث سياسي

 

كلمات دليلية

تعليقات