١٤ ابريل ٢٠١٩, ١٠:٣٣ المنامة
  • الامارات ومحاولات السطو على الحراك السوداني

منذ تراجع دور الدول العربية المحورية كمصر والعراق وسوريا في قيادة العالم العربي ، ولكل دولة من هذه الدول اسبابها الخاصة في هذا التراجع ، وجدت الدول العربية الحديثة التاسيس مثل السعودية والامارات وقطر ، فرصة للانقضاض على القرار العربي ، بفضل وفرة العائدات النفطية والغازية التي بدات ترد على خزائن هذه الدول.

عائدات النفط والغاز التي شكلت ثروة ضخمة للدول الخليجية، وبدلا من استثمارها من قبل الانظمة الحاكمة في هذه الدول، في ايجاد نهضة اقتصادية وعلمية وفي ردم الهوة الاقتصادية بين الدول العربية الغنية والفقيرة، تحولت الى معول لهدم الانسان العربي والمجتمعات العربية، عبر استحضار كل عناصر التعصب الطائفي والعرقي، وبث الفتن المذهبية، من خلال هدر نحو 100 مليار دولار، من السعودية فقط على مدى ثلاثين عاما، لترويج الوهابية، اكثر الصور تشويها للاسلام، بين المجتمعات الاسلامية، مستغلة تردي الاوضاع الاقتصادية في هذه المجتمعات، كما اهدرت اضعاف ذلك المبلغ في محاربة الانظمة العربية التقدمية، في خدمة واضحة وفاضحة للصهيونية العالمية، وللاهداف الامريكية في العالمين العربي والاسلامي.

 

دولة الامارات العربية جاءت متأخرة قياسا بالسعودية، في استخدام اموال النفط في هدم المجتمعات العربية، خاصة بعد استحواذ محمد بن زايد ولي عهد ابو ظبي على السلطة في غياب رئيس الدول خليفة بن بن زايد ال نهيان اثر اصابته بجلطة دماغية، فابن زايد، كصاحبه في السعودية ولي العهد محمد بن سلمان، مهووس بجنون العظمة، حيث يتصرف الرجلان وكأنهما يجلسان على عرش امبراطوريتين لا تغيب عنهما الشمس، فلا تخلو ازمة في الشرق الاوسط وافريقيا و اسيا من اموال ورجالات المحمدين.

 

فاذا مررنا مرور الكرام من امام ازمات العراق وسوريا ولبنان وليبيا والصومال وارتيريا والصومال وباكستان و.. ، والتي ما كانت لتكون لولا اموال ومرتزقة المحمدين، الا اننا لنا وقفة سريعة امام التطورات التي تشهدها السودان هذه الايام وتاثير رجالات واموال الامارات والسعودية فيها، حيث يشهد السودان حراكا شعبيا ضد حكم العسكر الذي يجثو على صدور السودانيين منذ استقلال هذا البلد وحتى اليوم، باستثناء فترات قصيرة جدا حكم فيها مدنيون الا انها تم خنقها وهي في المهد.

 

الحراك الشعبي السوداني الذي بدا قبل حوالي اربعة اشهر ردا على تردي الاوضاع الاقتصادية وغلاء الاسعار والفساد والمحسوبية، والاذلال الذي مارسه عمر البشير على الشعب السوداني عبر سياسته في ادارة الازمات التي تعصف ببلاده دون حلها، وتذبذب سياسته الخارجية وارتماءاته المتناقضة في احضان المحاور، واخيرا توج سياسته بتحويل الجيش السوداني الى مرتزق في خدمة اهداف السعودية والامارات، عندما شارك في الحرب العدوانية التي يشنها تحالف العدوان السعواماراتي بدعم وتحريض امريكي "اسرائيلي"، حيث قتل من الجنود السودانيين الالاف في اليمن، في المقابل شارك الجيش السوداني في قتل وتجويع الشعب اليمني العربي المسلم، دون ان تكون للسودان ناقة او جمل في هذه الحرب، الا بعض الوعود السعودية الامارتية في تقديم مساعدات مالية لحكومة البشير، لم تحقق منها الا اليسير.

 

لم تفلح كل المحاولات في ثني الجماهير عن مواصلة حراكهم، كاستخدام القوة والرصاص الحي، وسقوط العديد من القتلى والجرحى، ودخل الحراك شهره الرابع، الا ان عقلية الطغمة العسكرية الحاكمة تفتقت عن مخطط، كان مكشوفا للجماهير، عندما اعلن الجيش يوم الخميس 11 نيسان عن اعتقال البشير وتشكيل مجلس عسكري انتقالي بقيادة وزير الدفاع احمد عوض بن عوف لقيادة البلاد لمدة عامين كما أعلن فرض حالة الطوارئ في البلاد وعلّق العمل بالدستور وحل كلا من مجلس الوزراء، حكومات الولايات، المجالس التشريعية، و فرض حظر التجوال لمدة شهر في عموم البلاد.

 

هذا السطو على الحراك الشعبي لم ينطل على الجماهير، التي كانت ترى في بن عوف نسخة من البشير بل اكثر قسوة، فالرجل لم يقد انقلابا عسكريا، بل قاد حركة الهدف منها انقاذ البشير الملاحق من المحكمة الجنائية الدولية، والابقاء على الطغمة العسكرية، وسياساتها المتخبطة في المنطقة، فالمعروف ان ابن عوف هو رجل السعودية، والعسكري صاحب التاثير الاكبر على مشاركة السودان في العدوان على اليمن، والرجل الذي كان مرشحا لخلافة البشير، حتى ان الاخير اعاده للخدمة العسكرية عام 2015 بعد ان تقاعد عام 2010 ، وهذه الحقيقة، حقيقة خلافته للبشير، هو ما كشفت عنه وثائق ويكليكس.

 

من سوء حظ السعودية والامارات كانت الجماهير السودانية على وعي كامل لما يدور وراء الكواليس، فواصلت حراكها وتجاهلت الحظر والاحكام العرفية، وهو ما دفع بن عوف لتقديم استقالته بعد 24 ساعة من ادائه اليمن الدستورية كرئيس للمجلس العسكري الانتقالي، وتؤكد مصادر مطلعة ان استقالة بن عون كانت بتدخل اماراتي، كي لا تخسر الامارات والسعودية كل تاثير على المشهد السياسي في السودان تحت الضغط الشعبي، لذلك تم الاتيان برجل الامارات المفتش العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح عبد الرحمن البرهان خليفة لابن عوف، فاطلق سراح الجنود الذين تدخلوا للدفاع عن الجماهير من هجم قوى الامن الداخلي، كما الغى حظر التجوال، ولكن فات البرهان ان الجماهير على معرفة كاملة بتاريخه وعلاقاته فهو من اقرب رجالات البشير والامارات، وقضى السنوات الاربع الماضية متنقلا بين الامارات واليمن في مشاركة مفضوحة في جرايم قتل اليمنيين.

 

من الواضح ان الامارات والسعودية تضغط على الطغمة العسكرية الحاكمة في السودان لتقديم التنازلات تلو التنازلات، بهدف امتصاص غضب الجماهير دون المساس بالطبيعة العسكرية للنظام في السودان، بهدف الابقاء على الجيش السوداني في خدمة اهداف السعودية والامارات وحوبهما العبثية، فالرياض وابو ظبي على معرفة تامة بان مصير التدخل السوداني سينتهي بمجرد وصول مدنيين الى السلطة في السودان، وهذه الحقيقة تعرفها الجماهير ايضا، وهي التي تبقيها في الميادين حتى زوال حكم العسكر، رغم اموال ورجالات الامارات والسعودية.

 

منيب السائح

 

كلمات دليلية

تعليقات