٠٥ يناير ٢٠١٩, ١٦:٣١ المنامة
  • سيناريوهات آل سعود للتخلص من تبعات قتل خاشقجي

منذ وقوع الجريمة بحق الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية بمدينة اسطنبول التركية، بدأ نظام آل سعود ردوده بالصمت المطبق حيال الجريمة، صمت تخللته تصريحات نافية للموضوع جملة وتفصيلا. لكن مع مضي الوقت وظهور بوادر حقيقية تدل على وقوع الجريمة، لجأ النظام للإنكار أولا، ومن ثم رمي الكرة خارج ملعبه، ليصور للرأي العام، أن المقتول كان ضحية شجار وخناق بينه وبين خصومه، والأمر لم يتعد سوى كونه قضايا خاصة لا ناقة ولا جمل للقنصلية ولا لنظام آل سعود فيها.

ولما تطور الأمر وظهرت بوادر التسجيلات الصوتية للمقتول، "وهو يستنجد برفع الخناق عنه، وان انفاسه آلت الى العدد، والمحيطين به يتواصلون هاتفيا مع المعنيين في الرياض والحديث الذي يدور خلف سماعات الهواتف، كان يبشر بإقتراب إنجاز العملية"، باتت الظروف بما لا تشتهيها سفن آل سعود.

أما واقع الأمر ان صحفيا من قلب النظام السعودي اختلف معه لفترة يسيرة، دون ان يسيئ بحرف واحد للنظام، ترك البلاد وأقام في الغرب وبالتحديد نيويورك وساقته مقدرات الدهر ليدخل قنصلية بلاده في اسطنبول التركية، لتكون آخر مدخل في حياته.

والغريب بالأمر ان النظام قد تمكن من الضحية، وانهى كل شيئ، لكنه تمادى بالجريمة ليصل الأمر به بإرسال فريقين على متن طائرتين ليقوما بتقطيع اوصاله بعد القتل، ولتأخذ القضية أبعادا اخرى، دون ان يتصور النظام بأنها ستواجه هذا الحجم الكبير من الإهتمام الإعلامي على مستوى العالم.

ويرى المراقبون ان الضحية الذي كان يحمل الجنسية السعودية، وتصريح بالمواطنة الأمريكية، وقد قُتل على ارض تركيا، فإن دراسة ملف مقتله تستدعي تشكيل فريق دولي، أو خبراء حقوقين وأمنيين من البلدان الثلاثة، على أقل تقدير. لكن السيناريوهات التي اتبعها النظام السعودي، جسدت للقاصي والداني، أن شيئا ما كان يحضَّر له في مطابخ النظام للتخلص من الضحية وتبعات أمره.

فالإنكار المبدئي، والتشبث بكل ذريعة للتخلص من تبعات القتل، بدءا من إعتباره نتيجة خلاف وشجار شخصي، وصولا إلى الإعفاءات التي قام بها الملك نفسه لكبار الشخصيات الأمنية والسياسية، تبقى محط إهتمام المراقبين والمحللين، ليكونوا على علم في كيفية التعامل مع المتهمين الذين أسمتهم تركيا، والمتهمين الذين سمتهم السعودية، عسى أن يتوصلوا الى مصدر القرار بالتخلص من الضحية.

لكن تسرع النظام السعودي بإجراء محاكمة أقل ما يقال عنها أنها "صورية"، ضاعف من الشكوك والغموض الذي يكتنف تورط قمة هرم السلطة التنفيذية لنظام آل سعود.

وبعيدا عن ردود فعل الاوساط الإعلامية والأوساط الإقليمية إزاء الجريمة، فإن الأمم المتحدة هي الأخرى أبدت إمتعاضا للتصرف السعودي، حيث اكدت وعلى لسان المتحدثة بإسم مكتبها لحقوق الإنسان السيدة "رافينا شامداساني" يوم أمس الجمعة "أنها لا تستطيع تقييم نزاهة المحاكمة الجارية بالمملكة العربية السعودية في قضية مقتل خاشقجي". كما اكدت شامداساني على ضرورة ايجاد فريق دولي لإجراء تحقيق مستقل و"بمشاركة دولية" في قضية مقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي.

ولتسليط الضوء على جانب من السيناريوهات التي فبركها النظام السعودي للتخلص من الجريمة وتبعاتها، نكتفي بالإشارة الى ثلاث نقاط آملين ان تكشف حقيقة السيناريوهات المدبرة في هذا الإطار.

أولا- فأول السيناريوها هو ذهاب النائب العام السعودي سعود بن عبد الله المعجب إلى تركيا لتقصي حقيقة الأمر في ظاهر الأمر، لكن ما رشح بعد زيارته، أنه كان قد طلب من المسؤولين الأتراك بتقديم كل ما لديهم من أدلة على وقوع الجريمة، لتعالج المملكة الأمر كما تراه حسب مصلحة الطرفين، الأمر الذي اثار حفيظة الأتراك، لأنهم سوف يخسرون كل شيئ حتى لو كانت البدائل بعض التعويضات المالية. فكان الذكاء التركي طرفا عصيا على الغباء القبلي المتجذر في النظام السعودي ما حمل "المعجب" على القول لدى عودته الى الرياض بأن الأتراك لم يزوده بمعلومات كافية يمكن إعتمادها للبت في القضية، ورأي أن الأفضل أن تقوم المملكة بمعالجة الأمر دون إنتظار الآخرين.

ثانيا- قام ملك آل سعود سلمان بن عبدالعزيز، وفي خطوة هدفها إبعاد الأنظار عن المسؤول الاول والرئيس لصدور القتل والتقطيع، قام بعزل شخصيات من مستويات عليا في المملكة شملت مستشار الديوان الملكي سعود القحطاني، واحمد عسيري، نائب رئيس الاستخبارات العامة، وهما من اقرب المقربين لإبنه محمد ولي العهد صاحب الفكرة والتخطيط، واصدر مرسوما ملكيا ليتم تشكيل لجنة برئاسة الآمر بالجريمة لتدرس حقيقة القضية وتقدم النتائج له. وحقا لو قيل "يا ويلتاه اذا اصبح القاتل هو القاضي والحاكم".

ثالثا- وأخيرا سارع النظام الملكي السعودي، بإجراء محاكمة لتصدر احكاما بالإعدام على خمسة متهمين من أصل احد عشر متهما قالت انهم كانوا متورطين مباشرة بعملية القتل والتقطيع، دون أن تسميهم اولا، ودون ان تذكر من الذي أمرهم بذلك ثانيا، ودون أن تقدم أسماءهم وصورهم. ويرى المراقبون أن المرء حتى لو أحسن الظن بهذه المحاكمة، فمن يدري ان النظام يريد إعدام المباشرين بعملية القتل والتقطيع - وهم من اقرب المقربين لولي العهد- كي لاتشيع بعد اليوم كيفية التخطيط للسيناريوهات، او العملية ذاتها، اذا ما نجحت الجهود الدولية في الضغط على آل سعود ليسلموا المتهمين لمحاكمة دولية.

وآخر ما يمكن إنتظاره في هذا الملف هو الموقف الذي سيجسده الكونغرس الأمريكي من سمسار البيت الأبيض دونالد ترامب، إذا ما تراكمت الضغوط عليه ليتخلى عن صاحب البقرة الحلوب، دون التخلي عنها، أي أن يكون وفيا للشعارات التي رفعها إبان حملته الإنتخابية "أمريكا اولا" وما يهمها من مصالح اقليمية وعالمية، ولايستبدله بشعار "محمد بن سلمان أولا". وما يجري من تطورات داخل مجلس النواب والكونغرس الأمريكيين يعتبران بوادر لبلورة الموقف الامريكي الجديد، والأيام بيننا.

عبد الهادي الضيغمي

Tags

تعليقات