• الإرهاب وتمزيق الأمة

مازال أكبر خطر يهدد الأمة الإسلامية ويمنع لحاقها بسائر الأمم، فضلا عن تقدمها على الآخرين، هو خطر التمزيق.

الدول التي تصبح مُدارة من قبل مليشيات، بدل وجود دوله مستقرة، وأيضا الدول الصغيرة التي لا تدير شؤونها، حتى لو كانت مستقلة سياسيا؛ فإنها لا يمكنها النهوض في القرن الواحد والعشرين، عصر المشاريع والشركات العملاقة عابرة القارات.

في السابق، جرّب الاستعمار التدخل العسكري المباشر، الانتداب والوصاية أو تكوين حكومات موالية للاستعمار بشكل كامل، ولا يزال بقاء بعضها مستمرا. للأسف، في الفترة الحالية الهدف الاستعماري أصبح أكبر، كما أن تدخله أضحى أكثر عمقا.

السنوات الأخيرة أثبتت أن تمزيق وتفتيت الأمة بشكل كامل؛ هو هدف الاستعمار. فإذا كان في السابق وجود دول كبيرة، وشبه قوية، مثل العراق وسوريا ومصر وأندونيسيا والجزائر والسعودية.. فإن هذه الصيغة أصبحت الآن غير مقبولة بالنسبة للمستعمر الغربي.

تجربة الغرب مع الاستقلال التدريجي وثورات دول أمريكا اللاتينية التي كانت تسعى لكي تكون كيانا كبيرا خارج السيطرة الغربية؛ لن يقبل إعادة مثله في الدول العربية والإسلامية. إذا كان هذا هو الهدف، فما هي الوسيلة؟

لماذا تغيرت الإستراتيجية الغربية في المنطقة العربية؟ ألم تؤد الدول الموالية للدول الاستعمارية دورها في ضمان المصالح الغربية؟ ماذا الذي يخافه المفكر والسياسي الغربي بالنسبة لهذه المنطقة؟

تصريحات بعض المفكرين الغربيين تبين هذه المخاوف. التوقعات المستقبلية للمفكرين الغربين بالنسبة للمنطقة العربية، وبكل صراحة ووضوح، هو الخوف من قيام خلافة جديدة عابرة للدول الحالية. لمنْ لا يؤمن بمثل هذه الفرضية؛ علية مراجعة تصريحات مشاهير المؤرخين والمحللين السياسيين الغربيين.

لعل أحد مشاكلنا أننا قليلا ما نقرأ مشاريع أعداء هذه الأمة، وأننا نعاني من الغفلة عمّا يُراد بنا.

للأسف وقع الكثير من كتّاب هذه الأمة في الكتابة عن المشاكل البينية، والإسهام في تغذيتها أحيانا كثيرة، بدل دراسة سبل النهضة من جديد.

التحدي الحالي الأكبر، والذي يُعدّ السلاح الجديد لتمزيق هذه الأمة؛ هو الصراعات الطائفية. وليس مستغرباً أن قنوات الفتنة أصبحت هي الأكثر رواجاً اليوم. تعلن قناة وصال مثلا في برامجها القضاء على ‘الرافضة’ باعتباره هدفها الرئيسي.

لو فرضنا جدلا أن الشيعة مثلا خطر على الأمة، كما يزعمون، فهل تهدف هذه القناة و أمثالها إلى إبادة 200 مليون شيعي! يا للعجب العجب! نظريا لو أبيد هؤلاء فما هو الهدف التالي؟ المسيحيون، أصحاب الديانات أو المذاهب الأخرى في الأمة، السنة غير المؤيدين للفكر المتطرف.. الخ. متى يتوقف هذا الهرج؟ لا شك، مثل هذه الاتجاهات لا تؤدي إلا إلي تمزيق الأمة وخلق فتن مفتعلة تحتكر الحق والعلو في جانب واحد، ولا تقبل بأي نوع من التنوع. في المقابل، نرى الدول الكبرى، ولكي تعزز بنيتها الداخلية، تعتمد سياسات وقوانين صارمة لدعم ركيزتي المساواة (الإيكوالتي) و التنوع (الدايفيرستي) كأساس لإدارة الشئون الداخلية.

إن السنة والشيعة، ولأنهما أكبر كتل هذه الأمة؛ فإنهما من دون شك يشكلان جناحي هذا الأمة، والتي من دونها لن تنهض أبدا. بل إن كل مكون من هذه الأمة هو عمد رئيسي، لا يمكن القبول بالاستغناء عنه تحت أي عذر أو شعار.

إن كل فئة أو دولة أو جماعة تعمل على زرع الفتنة، أو لا ترى إلا خيار أن تكون أوضاع شركائه في الوطن أو الأمة منكوبة، ومليئة بالقتلى والأرامل والبيوت المهدمة والسجون المشبعة بالسجناء السياسيين؛ لا شك أنها على غير طرق الحق، وتعمل ضد مصلحة الأمة.

من هنا يتضح أن الإرهاب والجماعات الإرهابية من داعش و النصرة، ومن يساندهم من أنظمة عميلة و دكتاتورية، يعملون على تفتيت هذه الأمة من حيث يشعرون أو لا يشعرون. 

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ 

الدكتور علي الفرج – ناشط بحراني – لندن

 

 

Tags

٠٩ يناير ٢٠١٨, ١٤:٤٤ المنامة
تعليقات