• ناصر حمد.. من لوس انجلوس إلى الشيشان: من التطبيع مع إسرائيل إلى استيراد المرتزقة

جزء من خطة “الإنقاذ” التي يمارسها النظام الخليفي، هو الذهاب إلى الخارج. المستنقع الذي يغرق فيه الخليفيون في الداخل يجعلهم مندفعين أكثر للانسلاخ من الأرض التي يقول البحرانيون بأنها محتلَّة بالحديد وبنار “الغزو”، ولا يجد آل خليفة أمام شعار “يسقط حمد”؛ غير أن يفزعوا إلى خارج الحدود وفي أكثر من اتجاه،

بحثا عن طوق نجاة إضافي، ولاسيما وهم يرون كيف أن “طوق النجاة” السعودي بات عديم الجدوى مع الانحدار المتسارع لآل سعود، وبعد تبدُّد حلم الخليفيين في “الاتحاد الخليجي”، ولاسيما بعد الأزمة الخليجية مع قطر، وتمنّع العُمانيون عن اللحاق بالمشروع السعودي المتدهور أصلا.

في الفترة الأخيرة، بدا أن آل خليفة أسندوا إلى ناصر حمد جانباً من تولي هذه المهمة. سيكون عسيرا، في الحقيقة، الحديث “الجدي” عن “إسناد مهمة” بخصوص “نصُّور”! فـ”الجلاد المراهق” – كما يصف البحرانيون النجلَ المدلَّل للحاكم الخليفي – ليس مؤهلا لأن يؤدي أي دور “خارجي” له أي اعتبار أو تأثير على النحو المتعارف عليه في العلاقات الخارجية. ما سيفعله ناصر في هذا السياق هو الاستمرار في “اللهو” و”التغنج” و”إفراد عضلاته الصبيانية”، تماما كما يفعل في شوارع المنامة وبراري الرفاع أو في صحراء اليمن، أو في لوس انجلوس أو غروزني وهو يمتطي الجياد أو الدراجات أو حين يلتقط “السلفي” ليُبهر به والده المفتون به.

باتجاه التطبيع مع “إسرائيل”؛ يُبعَث ناصر إلى الولايات المتحدة ليُكمِل هناك ما اتفق عليه والدُه مع حاخامات إسرائيليين بغرض تعبيد الطريق نحو “الخيانة العلنية”. يحل ناصر في مركز يهودي موال لتل أبيب ويجول في أرجائه محفوفا بالغباء، ثم يجلس على طاولة يوقع عليها اتفاقا حول “التسامح الديني”، فيما تنبعث من تحت الطاولة روائح الكراهية والقمع والاضطهاد التي يزرعها مع مرتزقته داخل البحرين.

اختيار ناصر لهذا الدور قد يكون له صلة بما يُشاع عن توجّه مرسوم لإحلاله في “ولاية العهد”، وقد تحدّث باحثون في واشنطن عن تداول هذا الملف خلال زيارة ناصر لمدينة لوس انجلوس، وإبداء آل خليفة الرغبة خلال لقاءاتهم بالإسرائيليين في دعم هذه الخطوة التي جرى الحديث عنها كثيرا في ظل التظهير التضخيمي غير الجديد لناصر، وعلى حساب ولي العهد الخليفي الحالي سلمان حمد. وقد أفادت مصادر لـ(البحرين اليوم) أن أوساطا سياسية أمريكية (يهودية في إدارة دونالد ترامب) تحبّذ بالفعل هذا التوجه، وهي ترى في ناصر خيارا أنسب من غيره، لاسيما وأنه يمكن أن يكون رابطا ملائماً بين سعودية/ “محمد بن سلمان”، وإمارات/ “محمد بن زايد”. يجري الحديث هنا، تحديدا، عن صفات الجهل، والسطحية، والانصياع التلقائي لما يُمليه الأجنبي، مع الخضوع “الناعم” للإغراءات عبر ضخّ المزيد من الدعاية وتفخيم/ تفخيخ الذات.

ضمن التقاطع المركب بين دونالد ترامب وروسيا من جهة، والخصوصية المعقدة للشيشان في امتدادها “الارتزاقي” باتجاه السعودية والإمارات من جهة أخرى؛ كان من الطبيعي أن يحل ناصر حمد في الرابع من أكتوبر الجاري في هذه البلاد التي تعد واحدة من أشد الأراضي تصديرا للمقاتلين المأجورين.

 

حرص ناصر على أن يتشبّه بأكثر ما يمكن من “تكلُّف” بالشيشانيين، وارتدى اللباس التقليدي ليكون أكثر قربا من الحالة التي يريد الرئيس الشيشاني رمضان قادروف أن يطبعها على أجواء اللقاء مع “الأمير الجلاد” الذي جاء إليه مجللَّا بالرعاية الإسرائيلية، وبالرغبة كذلك في أن يكتسب بعضا من الطباع الجديدة للديكتاتور التي يتميز بها قادروف، إضافة إلى طباعه في تأجير خدماته المختلفة للآخرين، بما في ذلك تصدير المرتزقة بشكل مباشر أو من بوابة “الرياضات القتالية” التي بدأت في الفترة الأخيرة برعاية مباشرة من ناصر وأخيه خالد، حيث تم استجلاب شيشانيين لتأسيس ألعاب قتالية في البحرين وتشكيل منتخب “وطني” يكونون أعضاءه الأساسيين.

احتفل ناصر خلال زيارته بعيد ميلاد قادروف، وبالذكرى الـ ١٩٩ عاما على تأسيس العاصمة غروزني، وقدّم له هدية غير بعيدة عن الطابع العام للزيارة، وهي عبارة عن سيف فاخر، ثم امتطيا الخيل سوية محاولا من جديد أن يبدو قريبا من “الطبع القتالي” الذي تتسم به الأرض الشيشانية. في هذه الأجواء؛ وطّد ناصر تطابقه الخدمي مع قادروف، وباتجاه السياسة الجديدة التي يُراد أن تحكم المنطقة عبر “قادة صغار تتم صناعتهم لخدمة مصالح الدول الكبرى”، كما يعلق أحد المختصين.

ولكن لماذا الشيشان بعد نيويورك؟

يتواصل الرئيس الشيشاني رمضان قادروف، منذ فترة، بمسؤولين كُثر في منطقة الشرق الأوسط، وقد زار في أبريل الماضي البحرين، والتقى حمد وعقد معه اجتماعات لم تخلُ من العلامات الدالة بشأن طبيعة الرئيس الشيشاني الذي يُنظر إليه باعتباره “جندي مشاة” للكرملين. ولم يكن غريبا أن قادروف أكدّ في محضر حمد تأييده للموقف الروسي في الملف السوري، وهو الموقف الذي كان مفروضا على حمد أن يقبل به وهو يحلّ في ضيافة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرتين خلال العام الماضي، وعبّر عن ذلك من خلال الهدية الرمزية التي أهداها لبوتين، وهي “السيف الدمشقي”. سيكون “السيف” بالنسبة لحمد وناصر؛ علامة رامزة على طبيعة “الخدمات” المتبادلة.

في الوسط من هذه العلاقة “المصلحية”؛ كان قادروف قد بنى خطوط الاتصال الأساسية بين موسكو والرياض، وخاصة في زيارته إلى السعودية في نوفمبر من العام الماضي. وانبنت هذه الزيارة، وما انطوت عليه من مباحثات سرية، على علاقة شخصية تجمع قادروف بآل سعود، وهي علاقة ستظل موجَّهة بالرموت كونترل الموجود في الكرملين. ومن هذه القناة، وقناة الإسرائيليين الذين يحلون في أكثر الأوقات في بلاد الشيشان؛ كان من الطبيعي أن يتوجه ناصر إلى هذه البلاد، وأن يوثق علاقته بالطبيعة السياسية “الطموحة” التي تتفجر في شرايين قادروف، ولكن ضمن الحدود والأوامر التي يتلقاها من “المحركين الكبار”.

من جهة أخرى، فإن العلاقة بين قادروف وإسرائيل تُشبه إلى حد كبير العلاقة بين آل خليفة وتل أبيب. هذه العلاقة التي أخذت تطورا ملحوظا؛ ساهم في ترسيخها حاخامات يهود التقوا قادروف في العاصمة جوهر (غروزني)، حيث العمل جار على إعادة الاعتبار للوجود اليهودي وإحياء الأنماط الديناميكية لليهود هناك، وبإشراف مباشر من إسرائيل. سيكون من العلامات الرامزة هنا أن تشييد هذه العلاقة تم من بوابة “التسامح الديني” وإعادة بناء كنيس يهودي في العاصمة الشيشانية بحضور فعاليات إسرائيلية. وهو ما فعله الخليفيون تماما في صياغة علاقتهم العلنية مع الإسرائيليين خلال الأشهر الماضية. سيكون للدعاية الدينية، في كلا الحالتين، حضورها الطاغي، وبما يعكس أولا المحتوى “الطائفي” المبطن من جهة، والرغبة في الاستتار وإخفاء الفظاعات الحقوقية من جهة أخرى.

المرتزقة الشيشان: من الإمارات إلى البحرين

في حسابه على الانستغرام، قال حمد ناصر بأنه أمضى أوقاتا “ممتعة” في الشيشان، وامتطى الخيول بصحبة قادروف الذي عرّفه بطبيعة الأرض وأهلها. قال ناصر بأن الشيشانيين “أسود في هيئة رجال”، وعبّر عن إعجابه بولائهم للرئيس، وفق زعمه. لاشك أن “الجلاد” الذي أصبح عضوا فيما يُسمى بمجلس الدفاع الأعلى (السلطة العسكرية الحاكمة في البلاد)؛ وجد في أرض الشيشان المكان الأنسب للاحتفال الشخصي بهذه الترقية التي جاءت بُعيد دعوات أطلقتها منظمات حقوقية في الدورة الأخيرة لمجلس حقوق الإنسان بجنيف بمحاسبة الجلادين، وعلى رأسهم ناصر.

 

بدوره، عبّر قادروف عن “إعجابه” بخالد وناصر في الزيارة الأخيرة التي قام بها إلى البحرين، وكتب على حسابه في الانستغرام بأنه فخور بأن “الشابين” يشاركان في الحرب العدوانية على اليمن، وهي إشارة لها دلالة أخرى، حيث يؤكد خبراء التقت بهم (البحرين اليوم) بأنها تؤشر إلى جملة من الأمور التي ينخرط فيها قادروف، فهو زار الإمارات في أوقات سابقة، وأرسل عسكريين ومقاتلين شيشانيين لتدريب الإماراتيين على القتال في اليمن ولبناء منظومات أمنية داخلية، كما تؤكد معلومات بأن أعدادا من الشيشانيين شاركوا فعليا في العمليات القتالية التي تقودها السعودية في اليمن، وذلك بعد المشاكل الإدارية والإعلامية التي نالت من التعامل الإماراتي مع المرتزقة الذين توفرهم شركات أمنية (مثل بلاك ووتر)، وخاصة بعد المخططات الجديدة التي أُنيطت بالقوات الإماراتية في جنوب اليمن، وبعد أن أُصيبت بضربات موجعة خلال سنوات العدوان على اليمن الذي بدأ في مارس ٢٠١٥م.

علاقة قادروف بالإمارات تفتح أبوابا عديدة حول الأدوار المشتركة بين الجانبين، ومع آل خليفة وآل سعود تاليا. فقادروف أحد المقاتلين الشيشان الذين خاضوا الحرب السابقة للاستقلال عن روسيا إلى جانب والده، وبعد الصلح مع روسيا؛ تولى بناء الجهاز الأمني الخاص بوالده الذي أُغتيل في ٢٠٠٤م، ليخوض بعدها مناوشات عسكرية وأمنية في الواقع الداخلي، ليُعيّن بعدها رئيسا للشيشان في مارس ٢٠٠٧م من قبل الروس، وذلك للاستفادة من تاريخه القتالي لتحويل الخبرة القتالية للشيشان لتعزيز المصالح الروسية، وذلك بحسب إحدى البرقيات الدبلوماسية لسفير واشنطن في موسكو نشرها موقع ويكيليس الشهير.

الطموح الداخلي لقادروف؛ دفعَه لإظهار الطابع الديني في سلوكه الشخصي وفي النظام العام للدولة، وقد مدّد هذا الطابع بالتعاون مع دولة الإمارات عبر تنظيم مؤتمر إسلامي في غروزني في سبتمبر من العام ٢٠١٦م، والذي أثار حفيظة آل سعود لكونه استبعد الشيوخ السلفيين من حضور المؤتمر الذي رعته بشكل كامل أبوظبي، وبدعم من موسكو، ضمن سعيها الطموح (المخبوء) للانتزاع المكانة الإستراتيجية من الرياض.

 

وفي السبحة التي تلتف حول أصابع قادروف، تتقطر انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان، وسلسلةٌ طويلة من عمليات الاغتيال التي طالت معارضين، وقد دعت منظمة حقوقية ألمانية في العام ٢٠٠٧ إلى تقديمه إلى محكمة لاهاي بسبب جرائم الحرب التي ارتكبها، ومن ذلك تأسيسه لسجون سرية تمارس فيها أبشع وسائل التعذيب بحق المعارضين.

هذه الخطوط تتشابك سريعا مع ملامح شخصية ناصر حمد (والخليفيين عموما) الذي يُراد له أن يكون “المقاتل المقبل” الذي يحكم البحرين بـ”الحديد والنار” في المستقبل. وهو ليس بعيدا عن التظهير “العسكري” المقصود لناصر، ولاسيما بعد إقامة المعرض العسكري الأخير في البحرين، والذي أعقب تعيين ناصر فيما يُسمى بمجلس “الدفاع الأعلى”، في الوقت الذي تتحدث مصادر خاصة عن تدريبات خاصة تلقاها من شيشانيين مقاتلين يتواجدون في البحرين تحت غطاء “لاعبين في الألعاب القتالية”، وتذكر المصادر بأن ناصر حرص في زيارته الأخيرة للشيشان على معاينة القوات العسكرية الخاصة التي يرعاها قادروف، والتي تمثل “القوة الضاربة” التي يستعين بها في حمايته، حيث تعرّض لعدة محاولات اغتيال، وتتشكل هذه القوة بناءا على مواصفات عسكرية وقبلية و”دينية” مركبة، تُشبه إلى حد كبير المواصفات الحربية التي يتحلى بها المقاتلون الشيشان المنخرطون في صفوف تنظيم “داعش”. وهي تركيبة يريد ناصر حمد – وفق رؤيته العسكرية التي طرحها على طاولة مجلس الدفاع الأعلى – تعزيزها في جيوش المرتزقة التي يتم استجلابها لمواجهة السكان الأصليين.

٢٢ اكتوبر ٢٠١٧, ١٠:٥٥ المنامة
تعليقات