• دونالد ترامب يدرّب أنظمة الخليج (الفارسي) على سياسة “التلاعب الصبياني”

مع بدء زيارة أمير الكويت الأسبوع المنصرم للبيت الأبيض، تحرّكت “الرمال الراكدة” تحت ملف الأزمة الخليجية، إلا إنها لم تغيّر المعادلة القائمة المختصرة بـ“المراوحة بنفس المكان”.

على مدى أشهر من الأزمة القائمة بين “الأشقاء الخليجيين”؛ برز الأمريكي من الوجه الطبيعي الذي يتميّز به دونالد ترامب، بملامحه وتصرفاته التي تنطوي على “التلاعب” و”الصبيانية” معاً. هاتان الصفتان نقلها الراعي الأمريكي إلى الأنظمة التي أثبتت أنها لا تستطيع أن تفعل شيئا خارج حدود المسموح به من إدارة البيت الأبيض، وعلى النحو الذي ظهر مع الاتصال الهاتفي الذي أجراه ترامب مع كلّ من محمد بن زايد ومحمد بن سلمان وتميم آل ثاني أمس الجمعة، وهؤلاء يمثلون جيلا متقارباً يسمح للطبيعة الأمريكية الجديدة – وبطبائعها الدونالديّة الدنجوانية اللزجة – أن تجعل من هؤلاء الثلاثة فاعلين أساسيين في أداء “التلاعب الصبياني” ذاته الذي يتمركز مسرحه حاليا في مكتب الإدارة الأمريكية الجديدة.

 

بعد لقائه بأمير الكويت، وتصريحات الأخير في المؤتمر الصحافي المشترك مع ترامب؛ كان الخليجيون مدعوين للانتظار بضعة ساعات عند سماعة الهاتف لتلقي الاتصال من ترامب. الأخير قال لهم ما تُمليه عليه إستراتيجية “حلب الأبقار”، وذكّر الثلاثة بقمة الرياض في مايو الماضي التي كانت ميدانا “فضائحياً” أسفرَ بسرعة عن اندلاع الأزمة الخليجيّة، وعلى نحو “مفاجيء” كما قال صباح الأحمد الصباح في واشنطن أول أمس.

 

في القمة السعودية “الإسلاميّة”؛ أراد الأمريكيون أن يضعوا الجميع على طاولة واحدة، وأصدروا أمرا واضحاً بأنه حان أوان وقف “دعم وتمويل الجماعات الإرهابيّة”، وتوجيه البوصلة إلى “العدو الإيراني”. في هاتين الحالتين، فإن المطلوب من الخليجيين هو نقل الأموال التي تُضخّ إلى “الإرهاب والتطرف” ناحية الجيوب الأمريكية غير العطشى أصلا، وأن يتأكّد “الشيوخ” بأن “البعبع الإيراني” يتطلب منهم أيضاً أن يبرموا المزيد من صفقات الأسلحة مع واشنطن، مع حرص أمريكي على تقديم ضمانات بأن عهد “الشروط والضغوط الحقوقية” قد ولّى، وأن عليهم أن يطمئنوا حيال ذلك، تماماً كما فعل ترامب مع الحاكم الخليفي حمد عيسى الذي اختاره ترامب ليكون “مثالا” على صدق الأمريكيين في دعم أنظمة الخليج (الفارسي) ولو تساقطت عليها الإدانات بسبب انتهاكاتها الوحشية لحقوق الإنسان.

 

ولكن الأمريكيين ليسوا في وارد أن يضغطوا أكثر على شيوخ الخليجيين، فالحدود الدنيا المطلوبة منهم أمريكيا قد تم الالتزام بها، فليس هناك نوايا للإفراط في “مجلس التعاون” وبسهامه الموجّهة ضد إيران، كما أن التصعيد العسكري في سياق الأزمة الخليجية “لم ولن يكون واردا” كما قال بيان الدول الأربع التي تحاصر الدوحة، إضافة إلى أنّ المراوحة السعودية والقطرية في التقارب والتباعُد مع إيران لا تزال وفق الميزان الذي لا يخلّ بقواعد الهيمنة الأمريكية على الخليج (الفارسي)، ومن المنظور الدونالدي الذي شرحه الصحافي الأمريكي الشهير نيكولاس كرستوف بعبارة موجزة وهو يعلق على تمرير صفقة جديدة من الأسلحة أمس إلى النظام الخليفي في البحرين: “كراهية إيران” هي التي تفتح مداخيل الدعم للأنظمة، مهما بلغت من مستوى الوحشية في القمع”.

 

لهذا السبب، لن يكون الأمريكيين على الأرجح في وارد الإنزعاج من “التلاعب الصبياني” الذي ظهر بعد اتصال ابن سلمان وتميم آل ثاني، وإعلان الرياض بعد ساعات من الاتصال الهاتفي بأن السعودية قررت أن تقطع أي اتصال مع قطر بسبب عدم جديتها في الحوار، وبتهمة ممجوجة تُعيد التذكير بـ”قشة” فبركة التصريحات على وكالة الأنباء القطرية، حيث اتهمت الرياض القطريين بتحريف ما ورد في مضمون الاتصال بين الشابين اللذين يُشبه بعضهما البعض لولا “الشّيب غير الوقور” الذي يريد ابن زايد أن يُضفيه على العلاقة بينهما.

 

ترامب، حتى الآن، سيواصل ممارسة لعبته المفضلة عبر تحريك أنظمة الخليج (الفارسي) المتخاصمة من خلال “جهاز الكونترول عن بُعد” مع أنظمة الخليج (الفارسي)، وإذا تطلب الأمر فسوف يستدعي واحدا تلو الآخر إلى البيت الأبيض، حيث يُنتظر أن يصل إليه الملك السعودي سلمان مطلع السنة المقبلة. وعند هذا الحدّ لا يبدو الأمريكيون بعيدين عن “إستراتيجيات” اللعبة الممكنة مع أنظمة “خدميّة” لن تفلح في إدارة خلافاتها “العميقة” بعد أن ارتفع جدار فقدان الثقة المتبادلة، نتيجة التراشق الإعلامي والسياسي غير المسبوق الذي ملأ إعلام أطراف الأزمة منذ شهر يونيو الماضي.

 

الضحية الأكبر، كما تقول التقاير الحقوقية، هم عموم المواطنين في الخليج (الفارسي) الذين يعانون من مطرقة الأنظمة “الأمريكية الولاء”، وسندان الداخل المضطرب اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. وعلى هذا الصفيح القابل للانكسار؛ فإن دعوات احتجاج مثل “حراك ١٥ سبتمبر” في السعودية، مع اهتزاز آخر مرتقب في التركيبة السياسية في الكويت؛ سيكون محلا لمزيد من الترقّب “المتفائل” من منظور الثورة الأكثر “مظلومية” في الخليج (الفارسي)، والتي أرادت لنفسها أن تكون سلمية باختيار موعد انطلاقتها في عيد الحب، ١٤ فبراير، ولكن أشرار الخليج (الفارسي) المدرّبين على فنون التلاعب الأمريكية فجّروا فيها كلّ وحشيتهم، وفَجَروا في محاربتها والتضليل عليها وبمعوناتٍ لا تنتهي من أمن البريطانيين والأمريكيين وشركات علاقاتهم العامة.

 

١٠ سبتمبر ٢٠١٧, ٠٨:٢١ المنامة
تعليقات