١٢ فبراير ٢٠١٩, ٢١:١٥ المنامة
  • خلف «كواليس» الإفراج عن حكيم العريبي.. «ما لم ينشره» إعلام حكومة البحرين

 تصدّر خبر الإفراج عن لاعب كرة القدم البحريني «حكيم العريبي» مختلف وكالات الأخبار المحليّة والعربيّة والدوليّة، بعد احتجازه من قبل السلطات التايلاندية أكثر من سبعين يومًا، لوجود اسمه على الإشارة الدوليّة الحمراء «الأنتربول»

 

منامة بوست (خاص): تصدّر خبر الإفراج عن لاعب كرة القدم البحريني «حكيم العريبي» مختلف وكالات الأخبار المحليّة والعربيّة والدوليّة، بعد احتجازه من قبل السلطات التايلاندية أكثر من سبعين يومًا، لوجود اسمه على الإشارة الدوليّة الحمراء «الأنتربول»، وبناءً على مذكرة طلب تسليم قدّمتها السلطات البحرينيّة لتايلاند ضدّ «العريبي»، بهدف اعتقاله بتهمة حرق مركز شرطة، والتي نفاها العريبي جملة وتفصيلًا، لامتلاكه دليل براءته من تلفزيون حكومة البحرين الرسمي، الذي بثّ على الهواء مباشرة وقائع مباراةٍ لكرة القدم، وكان العريبي يشارك فيها، أثناء وقوع هذا الحدث المزعوم.

بدأت القصة عندما اعتقلت السلطات التايلاندية «حكيم العريبي» في مطار بانكوك الدوليّ في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، فور وصوله مع زوجته لقضاء شهر العسل، إذ كان قادمًا من أستراليا التي منحته حقّ اللجوء السياسيّ في العام 2014، بعد هروبه من البحرين، حتى استقرّ به المقام في مدينة ملبورن الأسترالية، وانضمّ لأحد أندية كرة القدم.

وحظيت قضيّة اعتقال «العريبي» في تايلاند باهتمامٍ بالغٍ على مختلف الصُعد والمستويات، بدءًا من الأندية الرياضيّة والفيفا نفسها بصفته لاعب كرة قدمٍ دولي وأحد أعضاء نادي «فاسكو بالي» الشهير في أستراليا، حتى تحوّلت القضيّة إلى حملة تضامنيّة دوليّة تطالب بالإفراج عن «حكيم»، لعب فيها كابتن المنتخب الأسترالي لكرة القدم «كريغ فوستر» دوراً بارزًا حتى آخر لحظة، فضلًا عن الدور الدبلوماسي لوزيرة الخارجيّة الأستراليّة «ماريز باين» ورئيس الحكومة الأستراليّة «سكوت موريسون»، إضافة إلى تحرّك واسع للعديد من المنظّمات الحقوقيّة الدوليّة، بمن فيهم «منظّمة العفو الدوليّة وهيومن رايتس ووتش»، ومكتب المفوّض السامي لحقوق الإنسان، الذي أصدر بيانًا يحثّ فيه السلطات التايلاندية على الإفراج عن «العريبي»، والتحذير من مغبّة مخالفة الاتفاقيات الدوليّة التي تحظر تسليم اللاجئين السياسيين، وسط مخاوفٍ من تعرّض «العريبي» للتعذيب الشديد في البحرين، وتنفيذ حكمٍ بالسجن عشر سنوات. كما اتخذت منحًى إعلاميًا على الصعيد المحلي والإقليميّ والدوليّ كذلك، ما وضع الحكومة البحرينيّة أمام «اختبارٍ صعبٍ تفشل فيه كالعادة»، لتُلقي بهذا الفشل على عاتق الحكومة التايلاندية بإحراجها في هذه المسألة، بحسب تصريح السفير الأسترالي في بانكوك بعد جلسة محاكمة العريبي الأخيرة.

وبموازاة هذا الاهتمام والجهود الحثيثة لتحرير «العريبي» من سجنه في تايلاند، انهال سيل من الانتقادات الدوليّة على حكومة البحرين من مختلف الجهات والمؤسّسات الدوليّة، وإداناتٍ واسعةٍ لسجلّها البارز في انتهاكات حقوق الإنسان، ولم تسلم تايلاند من هذه الانتقادات، فيما أُثيرت قضايا المصالح الاقتصاديّة المشتركة بين رئيس وزراء البحرين خليفة بن سلمان الخليفة وملك تايلاند، واحتمال تأثيرها على مسار القضيّة، إضافة إلى رغبة انتقام العائلة الحاكمة من حكيم العريبي من أجل خاطر سلمان بن إبراهيم الخليفة، ابن أخت رئيس الوزراء، ورئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، بسبب فضح «العريبي» في وقتٍ سابقٍ للدور الذي لعبه سلمان الخليفة في انتهاكاتٍ قامت بها السلطات البحرينيّة ضدّ الرياضيين على خلفيّة مشاركتهم في الحراك الشعبي لثورة 14 فبراير/ شباط 2011، عبر تصريحاتٍ إعلامية.

الرابع من فبراير/ شبّاط 2019، كان يوم الجلسة الأخيرة للعريبي أمام المحاكم التايلاندية للنظر في قرار ترحيله إلى البحرين، والتي قضت بتمديد حبسه تمهيدًا لمحاكمته في 22 أبريل/ نيسان المقبل، ومنح محاميه ستين يومًا لتقديم دفاعه ضدّ طلب تسليم «العريبي» المقدّم من حكومة البحرين إلى تايلاند. وهذا ما حرّك معركة إعلاميّة أخرى، وبعد تعريض العريبي لمعاملةٍ مهينة من قبل الأجهزة الأمنيّة التايلاندية بتكبيل قدميه الحافيتين بالسلاسل الحديديّة أمام جميع كاميرات الوسائل الإعلاميّة التي حضرت لتغطية المحاكمة.

أسبوع مضى على هذه الجلسة المستفزّة لكلّ المشاعر الإنسانيّة المتضامنة مع قضيّة اللاعب حكيم العريبي، واستفزّت في الوقت نفسه «غطرسة وزراء العائلة الحاكمة» في البحرين، كما كان واضحًا تمسّكهم وإصرارهم «على النيل من رقبة العريبي» بكل الأدوات المُتاحة أمامهم، حتى وإن اضطروا إلى «أساليب العصابات والبلطجة»، كما فعل النظام السعودي مع الصحفي «جمال خاشقجي»، لكن قرار الإدعاء العام التايلاندي بالإفراج عن«العريبي» في 11 فبراير/ شباط 2019 حسم هذه المعركة أخيرًا، ليحلّق حكيم حرًّا طليقًا مرّة أخرى إلى بلد لجوئه أستراليا. فما الذي حدث خلال هذا الأسبوع من الرابع إلى 11 فبراير/ شبّاط 2019؟ وما هي كواليس هذا القرار في ظلّ معركةٍ دوليّةٍ دبلوماسيّة وحقوقيّة وإعلاميّة وسياسيّة حاميةٍ من أجل تحرير «العريبي»؟

تشير المعلومات إلى أنّ السلطات البحرينيّة لم توفّر جهدًا إلا بذلته في سبيل الانتصار «لغرورها المنكسر» في معركة الوصول إلى «العريبي»، وكانت المصالح التجاريّة المشتركة بين رئيس الوزراء خليفة بن سلمان الخليفة وتايلاند إحدى  «أوراق اللعبة» التي رمتها حكومة البحرين على طاولة تايلاند للمقايضة «برأس العريبي»، إلا أنّ هذه الأوراق تمزّقت على طاولة الضغوط الدوليّة، وطاولة الحملة التي قادها ناشطون أستراليون على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تدعو لمقاطعة السياحة في تايلاند، أحد أهم عوامل تدوير العجلة الاقتصادية في هذه البلاد، فضلًا عن إلغاءات تدريجيّة للعديد من الرحلات السياحية لأفرادٍ ومجموعاتٍ ونوادٍ رياضيّة، كانت تنوي إقامة عطلاتٍ ومعسكراتٍ تدريبيّة في تايلاند، الأمر الذي لم يصمد أمامه رئيس الوزراء التايلاندي «برايوث تشان أوشا» أكثر من أسبوع، والذي قد يؤدّي إلى الإطاحة به من رئاسة الحكومة، بتهمة التسبّب في انهيارٍ اقتصاديّ لقطاع السياحة في البلاد على أقل تقدير، بسبب عدم اتخاذ موقفٍ منصفٍ في قضيّة «العريبي»، ما أجبره على إرسال وزير الخارجيّة «دون برامودويناي» إلى المنامة، ولقاء رئيس وزراء البحرين خليفة بن سلمان الخليفة في 10 فبراير/ شبّاط 2019، وقد تضمّن هذا اللقاء «إشادة بمسار التعاون الوثيق بين البلدين» – «السيناريو المعتاد» من وكالة أنباء حكومة البحرين الرسميّة- ودون ذكر تفاصيل أخرى، وفي اليوم التالي يُصدر الادعاء العام التايلاندي قراره بالإفراج عن العريبي..!

وإذا عُرفَ السبّب.. بطل العجب؛ ووفق المعلومات التي «حصلت عليها منامة بوست» من «مصدرٍ حكوميٍ رفيع المستوى»، فإنّ زيارة وزير الخارجيّة التايلاندي كانت بهدف تبليغ حكومة البحرين رفض المُدّعي العام التايلاندي طلب حكومة البحرين بتسليم «العريبي»، وحضور الوزير ممثلًا لرئيس الحكومة التايلاندية للتوصّل إلى صيغةٍ مناسبةٍ تحفظ ماء وجه حكومة البحرين، والتخفيف من ردّة الفعل فيما لو تمّ إعلان هذا القرار بشكلٍ رسمي من الإدعاء العام التايلاندي، وفي نفس الوقت يعيد لتايلاند سمعتها بعد حملة الانتقادات الدوليّة التي تصاعدت في الفترة الأخيرة، ويحفظ مكانتها السياحيّة المهدّدة بالانهيار، وهذا ما لن تستطيع «أموال خليفة بن سلمان الخليفة» تعويضه لتايلاند فيما لو قامت بتسليم العريبي لحكومة البحرين. وأكد المصدر توصّل الطرفين إلى الصيغة التي تلاقفتها وسائل الإعلام المختلفة «بالبنط العريض»، وهي «أنّ البحرين لم تعد تريد استلام العريبي، وسحبت أو أسقطت طلب استلامه»، وهذا عنوانٌ كاذبٌ فضفاض – بحسب المصدر.

يؤكد لنا شاهدٌ على هذه التفاصيل، رئيس الوزراء الأسترالي «سكوت موريسون»، والذي كشف عن تواصله مع رئيس الوزراء التايلاندي «برايوث تشان أوشا» قبل أسبوع من الإفراج عن«العريبي»، وتقديم وعودٍ بالإفراج عنه، وطلب «أوشا» الحصول على مهلةٍ للتواصل مع حكومة البحرين –«بحسب موريسون»، وهذا ما تمّ بالفعل قبل يومٍ من الإفراج عن «حكيم العريبي». وبهذا سقطت كذبة حكومة البحرين وخابت مساعيها في الفوز «ببطولة التسامح مع العريبي» والتنازل عن طلب تسليمه أو إسقاط هذا الطلب، كما تم ترويجه في وسائل الإعلام.

ولو سلّمنا جدلًا بأنّ هذه المزاعم حقيقيّة فعلًا؛ فإنّ حكومة البحرين لا بد لها أن تكشف عورتها، وتُوقع نفسها مرّة أخرى في حفرٍ لا تسمح لها بحفظ قطرةٍ من ماء وجهها في قضيّة العريبي، فقد ارتفع من عمق هذه الورطة «صوت شخير» وزارة خارجيّة البحرين بعد ساعاتٍ من«صفعة مؤلمةٍ» بالإفراج عن «حكيم»، وبعد استدعاء السفير الأسترالي من الرياض ومطالبته بشكلٍ رسمي بتسليم «حكيم»، والتمسّك «بخيط عنكبوت» حقّها في اتخاذ كافّة التدابير القانونيّة ضدّ «العريبي»، كما نشرت الوكالة الرسمية، «دون الانتباه لصفارة الحكم الذي لم يحتسب الهدف لصالح حكومة البحرين.. طلع تسلّل..! وفاز حكيم..!

Tags

تعليقات